مختارات حضرموت نيوز
شركة جمعان للتجارة والاستثمار
حضرموت نيوز
أمين عام المؤتمر الزوكا يؤكد: أحمد علي عبدالله صالح تحت الإقامة الجبرية في الإمارات
حضرموت نيوز - اليمن ( متابعات خاصة )
اليمن : الرئيس صالح يحث على وحدة الصف ويبشّر بانتصار الثورة على قوى الرجعية ومرتزقتهم
حضرموت نيوز - اليمن
حازب يكشف الضغوطات التي تعرض لها السفير أحمد علي عبدالله صالح ووالده من قبل العدوان
حضرموت نيوز - اليمن
مايو .. وجه اليمن التوحدي
حضرموت نيوز - اليمن (امين محمد جمعان )
الجمعية العمومية للبنك اليمني للإنشاء والتعمير تقر ميزانية 2016م
حضرموت نيوز - اليمن
نجاح رغم العواصف
حضرموت نيوز - اليمن ( بقلم- فؤاد القاضي )
العاصمة صنعاء الأنموذج الرائع والرقم الصعب
حضرموت نيوز - " سلطان قطران ".
اليمن : وزير الإدارة المحلية القيسي يواصل مساعية التآمرية على السلطة المحلية
حضرموت نيوز - اليمن
الرئيس صالح يحث على وحدة الصف ويبشّر بانتصار الثورة على قوى الرجعية ومرتزقتهم
حضرموت نيوز - اليمن
خفايا وإسرار تورط وزيرا المالية والإدارة المحلية في جرائم دستورية وسط تحذيرات محلي
حضرموت نيوز - اليمن (حضرموت نيوز - خاص )
ملياران ونصف المليار ريال أرباح البنك اليمني للإنشاء والتعمير 2015م
حضرموت نيوز - اليمن ( متابعات خاصه)
إختفاء رئيس مؤسسة حقوقية في ظروف غامضة بصنعاء
حضرموت نيوز - اليمن (صنعاء - خاص)
اليمن : وفاة شقيق رئيس تحرير حضرموت نيوز المرحوم عبدالله احمد قطران
حضرموت نيوز - اليمن ( امانة العاصمة صنعاء )
الرئيس صالح يحث على وحدة الصف ويبشّر بانتصار الثورة على قوى الرجعية ومرتزقتهم
حضرموت نيوز - اليمن
الخائن العميل المدعو قناة رشد الفضائية
حضرموت نيوز - اليمن ( خاص )
الخائن العميل المدعو قناة يمن شباب الفضائية
حضرموت نيوز - اليمن ( خاص )
الخائنة العميلة المدعوة قناة بلقيس الفضائية
حضرموت نيوز - اليمن (خاص )
الخائن العميل المدعو قناة سهيل الفضائية
حضرموت نيوز - اليمن (خاص )
هيلاري كلينتون:تعترف وتقول : نحن صنعنا تنظيم القاعدة بجلبه من السعودية إلى أفغانستان
حضرموت نيوز - ( متابعات خاصة )
حضرموت نيوز - مخطوطة للقرآن الكريم

الأربعاء, 08-فبراير-2012
حضرموت نيوز - د. فيصل الحفيان -
اللغة والهوية
إشكاليات المفاهيم وجدل العلاقات

استهلال:
يهدف هذا البحث إلى الإجابة عن تساؤُل هام: ما حدود العَلاقة بين اللُّغة والهُوِيَّة؟ وهو سؤال يستبطن في داخله إقرارًا بأن ثمة علاقة بينهما، والسؤال وما استبطنه يستدعيان مجموعة من النِّقاط والأسئلة التي ترتبط بتلك الدوائر التي يلتقيان (اللغة والهُوِيَّة) فيها، وتلك التي يفترقانِ فيها إن كانت موجودةً، وعلى الرَّغم من أنَّ البحث يَنهَد إلى قضية اللُّغة والهُويَّة في إطارها العام والمجرَّد، فإنَّ الغاية - بلا شكٍّ – هي "العربية"؛ لُغتنا عربًا ومسلمين، أو منتمين إلى الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة، والغاية أيضًا هي "الهُوية العربية الإسلامية" التي تجمع الشَّمْل، وتُوحِّد الصفَّ، وتعقد الآصرة، وإذًا فإنَّ ثمةَ وقفةً مع العربية بوصفها هُويَّة، وما تحمله في داخلها من عناصر قوَّة، ممَّا يُحفزنا على الإيمان بها من ناحية، والتمسُّك بها من ناحية أخرى، ثم ما تواجهه من عناصر ضعفٍ؛ لنكونَ معها في هذه المواجهة.
سنتوقَّف عند ما سبق على عجل، في استجابةٍ لِمَا تفرضه مناسبة ندوة، وحدود زمن متاح فيها، وقبلَ هذا وذاك، فإنَّ القضية أكبرُ من بحث، وأوسعُ من ندوة، وستظل مُثارةً إلى ما شاء الله.
بعضُ الألفاظ قريبة منَّا إلى درجة أنَّنا نغفل عن دلالاتها البعيدة أو العميقة، ونستحضر دلالاتِها القريبة، أو المباشرة فحسبُ، ومع مرور الزمن، وكثرة تداولها تَخْلَق تلك الألفاظُ، وَيرِقُّ إهابُها، فتنزوي الدلالات (البعيدة أو العميقة)، حتى تختفيَ تمامًا، فلا تكاد تظهر إلاَّ عند (النُّخبة) في سياق دراساتٍ، أو بحوث متخصِّصة، يتداولها نفرٌ محدود من الناس، حتى هذا الظهور يكون محاصَرًا في الغالب داخلَ قاعات ضيِّقة، أو وراءَ جُدران سميكة.
مِن هذه الألفاظ: اللُّغة، والهُوِيَّة، ماذا بقي لنا من دلالات هذين اللفظين؟ لم يبق من الأوَّل سوى الاتصالِ أو التواصل، ولم يبقَ من الثاني سوى البطاقةِ الشخصيَّة التي تسمَّى في بعض البلاد العربية بالاسم نفسه "بطاقة"، وفي بعضها "هُوِيَّة"، وفي بعضها الآخر، وداخل شرائح من هذا البعضِ يتمُّ القفز على الأسماء العربيَّة، ممَّا يعني القفزَ على اللغة ذاتها، ويحدُث الاتجاه إلى لفظ أجنبي دخيل، قد يكون: I.D!
ولو نظرنا في هذه الدلالات القريبة (المسطَّحة)، فإنَّها لا تتجاوز في "اللغة" ما يُردِّده اللسان، أو يُلقي به لنقضيَ الحوائج اليوميَّة، ونحقِّق التواصل مع المجتمع، بدءًا مِن الأسرة والزُّملاء والأصدقاء، وانتهاءً بالغرباء، وفي أحيان التعبير عن أنفسنا في إطار مشاغل الحياة وهمومِها، (حتى هذا التعبير انحسر تحت تأثير ضجيجِ الإيقاع السريع لحياتنا العصريَّة غير الإنسانيَّة).
ولا تتعدَّى في "الهُويَّة" التعريف بـ"الأنا الفرديَّة" مقطوعة الصِّلة بـ"الأنا الجمعية" بمختلف مستوياتها: الأنا التاريخية، والجغرافية، والثقافية، والسياسية، والدِّينية... والحضاريَّة بإجمال، وداخل كلِّ مستوى مِن هذه المستويات درجاتٌ، ونحن دائمًا في الدرجة الأدنى؛ القريبة.
ومِن المفارقات اللافتة: أنَّ (العامَّة) أصبحوا اليومَ أكثر صدقًا وعفويةً في الالْتفات إلى المستويات العُليا للهويَّة، أو لـ"الأنا"، كأنَّ الوعي البسيط والعفويَّ يقترب بنا من المثل والغايات والحقائق، وفي الوقت نفسِه من المصالح وتحقيق الذات، أكثر مِن الوعي المركَّب والعاقل، وربَّما يرجع ذلك إلى أنَّ هذه (النخب) واقعةٌ تحت تأثيرِ الأنانية، وبريق المال، وسطوة الإعلام، وضغوط السُّلطة، وجاذبية الفلك القويِّ الذي لا يرحمُ مَن يقترب منه، فيبتلعه، وكأنَّه ثقبٌ من تلك الثقوب السَّوداء المنتشرة في الكون.
نحن إذًا في حاجةٍ إلى أن نتبيَّن الدلالاتِ القريبةَ والبعيدة، الظاهرة والمستترة، لكلٍّ من هذين اللفظين، حتى نصل إلى غايتنا المتوخاة.
(1)
تحديدات أولية
1/1: اللغة (الدلالات)
ترجع كلمة "لغة" في العربيَّة إلى المادة أو الجذر: "لغو"، أو "لغي"[1]، وهو جذر يدور حولَ معاني الرَّمْي والطَّرْح والإلْقاء (اللفظ)، وهي معانٍ ظلَّت مقترنةً بهذا الجذر في تصاريف المادة، وحملت معاني الرَّمي وما يتَّصل بها ظلالاً، فيها الزُّهد بالشيء، وعدم أهميَّته، وكونه منبوذًا، ذلك أنَّ ما يُرمى أو يُلقى به أو يُطرح يكون كذلك[2].
وقد استعمل العرب كلمة "لغة"، وكلمة "لغات" للدلالة على اللَّهجاتِ التي كانت منتشرةً في الجزيرة العربيَّة، وترتبط كلٌّ منها بقبيلة، أو مجموعةِ قبائلَ تعيش في حَيِّز جغرافي (الحجاز، اليمن)، وقد تُنسب اللغة إلى القبيلة، لا إلى المكان (تميم)، فكانوا يقولون: لُغة أهل الحِجاز، ولُغة أهل اليمن، أو لغة بني تميم، كما يقولون: لُغة قُرَيْش، ولُغة هُذَيل، وجاء اللُّغويُّون والذين عُنوا بجمع اللُّغة وتقعيدها، فاستخدموا "لغة" الاستخدامَ عينَه، فإذا ما أرادوا التعبيرَ عن اللغة، من حيث هي لغةُ القبائل العربيَّة جميعًا، استخدموا أيضًا "لغة"، و"العربية".
غيرَ أنَّ القرآن الكريم لم يستخدمْ لفظ "لغة"، إنَّما استبدل بها لفظ "لسان"[3]، في حين جاءتْ تصاريف" لغو"، أو "لغي" فيه لتؤدِّيَ الدلالاتِ المحمَّلة بالمعاني الأُولى "الرمي وما يتَّصل به، وما تطوَّر عنه، مِن مثل القبيح قولاً وفعلاً، والعيب، والفُحش، واليمين غير المقصودة[4]، على أنَّ العرب استخدموا تلك التصاريفَ في المعاني القرآنيَّة، وغيرها ممَّا يمكن عدُّه في دائرة الكلام البشري حينًا بظلال المعاني الأُولى المستكرَهة، وحينًا بمَعْزِل عن تلك الظِّلال.
وعلى أيَّة حال، فليس هذا موطنَ الاستغراق في هذه المسألة، إنَّ القصد مجرَّد توضيح الدلالة اللُّغوية للفظ "لغة"، والمفارقة هنا في أنَّ اللفظ الذي يدلُّ على الطَّرْح أصبح يدلُّ على ما يصدر عن عقل الإنسان، ويعكس فِكرَه، ولا يؤدِّيه إلاَّ لسانُه، لا لشيءٍ سوى أنَّه (الكلام) شيء يُلقى، أو ينبغي أن يُلقى؛ نظرًا لاشتداد الحاجة إليه في التواصل[5]، ونحن هنا لا علاقة لنا بمعنى الطَّرْح، بل بمعنى الكلام، الذي هو بدَوره صورة الفِكر، فهو المقصود.
على أنَّ الدلالتَين (الطرح، والكلام) مقصورتان على تصاريف الكلمة، أمَّا "لغة" هذا اللَّفظ المختوم بتاء مربوطة، فهو مخلَص للكلام البشري العاقل.
ذلك ما تُشير إليه المعجمات، وتنصُّ عليه كتب اللُّغة، أمَّا اللُّغويُّون والنَّحْويون العرب وهم ينظرون في "لغة" ليقيموا دراساتِهم وبحوثَهم، فلم يبعدوا كثيرًا، اللُّغة عندهم "أصوات يعبر بها كلُّ قوم عن أغراضهم"[6]، والتحليل لهذا التعريف يؤدِّي بنا إلى أن نلحظ العناصر التالية:
أصوات (الكلام)، كل قوم (الناس)، التعبير عن الأغراض (التواصل)، وثَمَّة علاقات بينيَّة بين هذه العناصر تجعل منها كلاًّ لا يمكن تجزئته؛ لأنَّ التجزئة تجعل من كلِّ عنصر شيئًا لا عَلاقة له بـ "اللغة" التي نقصد، وقد توقفتُ في بحث لي سابق ذلك، وبسطتُ الكلام فيه[7].

1/2: اللغة (التجاذبات)
اللغة واللسان:
إذا كانت تلك هي مؤشراتِ الدلالات اللُّغويَّة والاصطلاحيَّة لـ "لغة"، فإنَّ الصورة لن تَظهر خطوطُها إذا لم ننظرْ في بعض التجاذبات التي تربط بين "اللغة"، وبعض الألفاظ الأخرى، سواء كانت تلك التجاذباتُ لفظيَّةً أم أقرب إليها، معنويَّة أم أقرب إليها.
وأوَّل تلك الألفاظ "اللسان"، وقد سبق أن ألْمحنا إلى تناوب اللَّفظين "اللغة" و"اللسان"، والتعبير بكلٍّ منهما عن الآخَر، لكنَّ ثمَّة فارقًا آخرَ تحسُن الإشارة إليه، وهو - وإن كان فارقًا لم يدخلْ في حسبان اللُّغويِّين العرب والمسلمين، ونبَّه عليه اللُّغويُّون الغربيُّون، وتحديدًا فرديناند دي سوسير - فارق مهم في سِياق موضوعنا، من المعلوم أنَّ دي سوسير ومدرسته في مطالع القرن العِشرين قد رأوا أنَّ اللُّغة Langue شيء، والكلام Parole شيءٌ آخَر، اللُّغة نظام اجتماعي مستقل، أمَّا الكلام فهو تَحقُّق هذا النظام في صورة رموز، بعبارةٍ أخرى: اللُّغة طرائقُ تفكير في عقل الإنسان، أو عقل الجماعة البشريَّة، أمَّا اللِّسان أو الكلام فهو: صورة الأصوات، أو الرموز الكتابيَّة التي نسمعها، أو نراها؛ لتُحقِّق لنا التعبير والتواصل، التعبير عن النَّفس، والتواصُل مع الآخرين.
هذه التفرقة مهمَّة، فاللُّغة المرتبطة بالهُويَّة هي هناك في العقل، عقل الإنسان، لا على لسانه، وهذه نقطةٌ سنتوقَّف عندها لاحقًا.

اللغة والثقافة:
بين اللُّغة والثقافة رِباط حميم، ذلك أنَّنا لا نتصوَّر لغةً ما بالمفهوم الذي ذَكرْنا لا تنتج ثقافة، أيًّا كانت اللُّغة، وأيًّا كانت الثقافة، كما أنَّنا لا نتصوَّر ثقافة لا تعتمد في جانب أساس منها على وعاءٍ لُغويٍّ يحتويها، ويتفاعل معها وينقلها، هما إذًا دائرتان متداخلتانِ لا يُمكن أن نُخَلِّص إحداهما من الأخرى، نقول ذلك دونَ أن ندخل في تعريفاتِ الثقافة وتوجُّهاتها، فليس هذا موطنَه، إذ ما يهمنا أن نؤكِّد على نقطة مهمَّة؛ هي: أنَّه إذا كانت اللُّغة هي الفِكرَ الذي يتفاعل مع الأشياء، ويقف منها أو معها مواقفَ محدَّدة، فإنَّ الثقافة هي أيضًا ذلك الشيء، أو تلك الأشياء المتشابكة، وغير الملموسة التي تُملي عليه طرائقُه في التعامل مع الأشياء، وتحدِّد استجاباتِه تُجاهها، نحن إذًا أمام وجهين لشيءٍ واحد، قد تكون الثقافة أعمَّ، إذِ اللُّغة عنصر مهمٌّ للغاية في بنائها، وتوجيه مسارها، على أنَّ للثقافة دورَها الخطير في التأثير في اللُّغة باعتبارها فكرًا، واللغة والثقافة معًا ليستَا نابعتَين من داخل الإنسان، أو ليستَا فرديَّتين؛ لكنَّهما جزءٌ من حراك الوسط الذي يعيشانِ فيه، ومِن هنا تأتي التفرقة الضروريَّة بينهما، وبين العِلم "الثقافة نظرية في السُّلوك أكثر من أن تكون نظرية في المعرفة، وبهذا يمكن أن يُقاس الفرق الضروري بين الثقافة والعِلم"[8].

اللغة والتواصل:
وإذا كانتِ الصلة بين اللُّغة والثقافة قد تشابكتْ بالقدر الذي افترقتَا (اللغة والثقافة) عن العِلم، فإن ثمَّة فارقًا أساسيًّا أيضًا بين اللُّغة وإحدى وظائفها الأساسيَّة (التواصل)، فعلى الرَّغم من أهمية هذه الوظيفة وحيويتها وضرورتها، فإنَّها - مجردة - ذاتُ قيمة محدودة؛ لأنَّها متحقِّقة بين الكائنات الأخرى الحيَّة بالقدر الذي تحتاجه ويكفيها، فـ"التواصل" في حدِّ ذاته ضروري؛ لكن أهميته الجوهريَّة تنبعُ مِن تأثيره المباشر عندما يرتدُّ إلى الفِكر، ويُغيِّر في طرائقه، إنَّه (التواصل) جزءٌ مهمٌّ من المحيط الذي يبني القِيَم والمشاعر والأفكار ويُشكِّلها، ويعطيها مذاقَها وخصوصيتها، ويصبغها بصبغته الفارقة، وهذا ما يُعيدنا مرَّة أخرى إلى "اللغة" التي ترتبط بعقل الإنسان وفِكره أكثرَ ممَّا ترتبط بلسانه وعلاقاته بالآخرين، كما يذكرنا بالثقافة، بالمفهوم الذي ذَكرْنا، لا بوصفها كمًّا من المعلومات والمعارف التي تجتمع في داخلِ الإنسان أو المجتمع.
1/3: الهوية (الدلالات والتجاذبات):
الهُويَّة كلمة تتمحور دلالاتُها حولَ الذات والحقيقة والماهية، وهي مع هذه المرادفات – على الرَّغم من بعض الفروق التي تقوم على اعتباراتٍ متباينة – قادمةٌ من عالَم الفلسفة، وهي لُغويًّا من قبيل المصدر الصناعي، فقد تمَّ توليدُها من النسبة إلى "هو"، أو "الهو"، الذي هو في اصطلاح الفلاسفة "الغيب"، أو "الحقيقة المطلقة"، أو "الله"[9]، وبعد الحقيقة المطلَقة أصبحتْ تُطلق على الحقيقة، حقيقة الشيء، حقيقة الإنسان أو غيره.
وللهُويَّة تعريفات عديدة عند الفلاسفة والمتصوِّفة وعلماء النفس والرِّياضيات والمنطق، وتصبُّ جميعًا في النهاية في دلالات، كنتُ حصرتُها في بحث سابق بالحقيقة والماهية والذات، والوحدة والاندماج، والانتماء والتساوي والتشابه[10].
وقد تكون "الهُويَّة" جزئيةً يسيرة خاصَّة بشيء، أو إنسانٍ بعينه، وقد تكون كليَّة مركَّبة، خاصَّة بجماعة أو شعب أو أُمَّة؛ لكنَّها في صورتها الأولى في أدنى السُّلَّم إنْ كان ثمةَ سُلمٌ يمكن وضعُه لهذا المفهوم، وكلَّما اتسعت الهويَّة لتشملَ أفرادًا أكثر كانت أكثرَ تعقيدًا وتشابكًا وتركيبًا؛ لأنَّها تصبح أعمقَ دلالة على أفرادها، وأكثرَ تعبيرًا عن رؤاهم، وأشدَّ التصاقًا بمصالحهم وغاياتهم الجمعيَّة.
على أنَّ الهُويَّة التي نتغيَّاها لا تُولد مع الإنسان، ولا تتشكَّل مرَّة واحدة، كما أنَّها ليست حراكًا في داخله؛ بل هي ذاتُ عَلاقة وثيقة بالمحيط، شأنها في ذلك شأن اللُّغة والثقافة.
إنَّ هوية الإنسان يرسمها ويحدِّد شكلَها وألوانها ما يَرِد إليه من خارجه، وما تثمره علاقاتُه بالآخرين؛ ولهذا فإنَّها لا بدَّ أن تكون - ولو في بعض صُوُرها - جزءًا من هُويَّة مجتمعه، أو تحمل على الأقلِّ بعضَ ملامح هذا المجتمع.
والمجتمع الذي نقصده هنا ليس هو المجتمعَ الحاضر فقط، أقصد الوسط الاجتماعي الذي يراه ويتعامل معه الإنسان؛ ولكنَّه أيضًا المجتمع التاريخي، أو تاريخ الجماعة التي ينتمي إليها، والتاريخ – بالطبع – كلٌّ مركَّب، فيه العلوم والمعارف، والمواقف والذكريات والمشاعر، أفراحًا وأتراحًا، والتجارِب إيجابًا وسلبًا، كلُّ ذلك يُسهم في تشكيل هويَّة الفرد، كما يسهم بالقدر نفسه - وربَّما بصورة أعمقَ - في تشكيل هويَّة الجماعة كلِّها.
وليس الزمن - ماضيًا وحاضرًا، بما فيه، ومَن فيه - هو وحْدَه صاحبَ التأثير في بناء ملامح الفرد والجماعة، فهناك أيضًا المكان (الجغرافيا)، هذا أيضًا له دَورُه في صياغة الهويَّة.
على أنَّ ثمَّة عنصرًا آخر يفوق تلك العناصر مجتمعة، هو عنصر الفِكر أو الرؤية، أو الفلسفة، وما يرتبط بذلك من ثوابت ترى الجماعةُ من خلالها أنفسَها وعلاقاتِها، والعالَمَ من حولها.
ويندرج تحت هذا العنصر الدِّين، فالدِّين ليس سوى رؤيةٍ للذات والكون والآخَر.
وكلَّما كان الفكر عميقًا قادرًا على النفاذ إلى حقائق الأشياء وجواهرها، كان أكثرَ قدرةً على بناء الإنسان، وربطِه بأولئك الذين يشتركون معه في ثوابته الفكريَّة، وتوحيده معهم، وصياغته وصياغتهم في بوتقةٍ واحدة.
وثمَّةَ عناصرُ أخرى؛ مثل الإرادة المشتركة، والدولة، والمصالح الاقتصاديَّة، يرى بعضُهم فيها عواملَ مهمَّة في بناء الهويَّة؛ لكنَّنا لن ندخل في الكشف عن أبعادها في هذا السياق.[11]
(2)
اللغة والهوية
دوائر الالتقاء والافتراق
اللُّغة أقدمُ تجليات الهويَّة، أو لنقلْ: هي التي صاغتْ أوَّل هويَّة لجماعة في تاريخ الإنسان، إنَّ اللسان الواحد هو الذي جعل من كلِّ فئة من الناس "جماعة" واحدة، ذات هويَّة مستقلة، ويزداد الاهتمام باللُّغة والهويَّة معًا، ويشيع الحديث عنهما، في المنعطفات أو المفاصل التاريخيَّة في حياة الجماعات، وهي منعطفات أو مفاصل ليستْ من نوع واحد، فقد يكون منعطفًا أو مفصلاً حضاريًّا إيجابيًّا تصَّاعد الجماعة، أو تثب فيه نحو الحضارة والتقدُّم، وقد يكون سلبيًّا تتعرَّض فيه للانكسار، وتغزوها رِياحُ التشتُّت والانطماس، وربَّما الغياب عن ساحة الفعل والتأثير، في كِلا الحالين تبرز قضية اللُّغة، وقضية الهويَّة، وفي الغالب يتمُّ الربط بينهما ويتماهيان إلى درجةِ أنَّهما يكادان يُصبحان شيئًا واحدًا.
وفي هذا السِّياق نستحضر بواكيرَ التحوُّل العربي من ضيق القبلية والبداوة إلى سَعة الحضارة والمدنيَّة، هذه النقلة التي أحدثَها الإسلامُ، وكان أحدَ تجلياتها الواضحة الاتجاهُ الكبير نحو التدوين اللُّغوي، ونشاط الدِّراسات اللُّغويَّة والنَّحْوية، في إشارة واضحة وعميقة إلى التحوُّل في حياة أولئك الأعراب، وشعورهم بأنَّهم أصحابُ هويَّة.
الصورة المقابلة صورتنا - نحن العربَ والمسلمين - بعد الحقبة العثمانيَّة، وموت الرجل المريض، وفيها يبدو المسلمون عامَّة، والعرب منهم خاصَّة، في طريقهم إلى التشرذم والتفكُّك تحت تأثير الانقطاع الحضاريِّ الطويل، والسُّبات الذي امتد قرونًا، وأيضًا تحت تأثير العقل الاستعماري الذي يُريد أن ينهب ويُهيمن ويستتبع، ويومها أيضًا برزت قضية اللُّغة، وإن كانت الظروف مختلفة، فقد قُدِّمت اللُّغة العربيَّة على أنَّها بديلٌ للفكر الذي غذاها (الإسلام)، وجُعل العنصران (عُنصرَا هوية الأمَّة)، على أنَّهما نقيضان، ولسْنَا في معرض العوامل التي كانت وراءَ ذلك.

وحتى لا نخرج من إطار الموضوع، فإنَّنا سنُركِّز على اللُّغة والهُويَّة، والعَلاقة القائمة بينهما، وإذا كنَّا قد نثرنا إشاراتٍ إلى عُمق تلك العلاقة، فإنَّنا سنضعهما هنا تحت المجهر؛ لنرصدَ الدوائر التي يلتقيان فيها، والقواسمَ المشتركة التي تجمع بينهما.
إنَّ كلاًّ من اللُّغة والهُويَّة خاصية إنسانيَّة، فاللُّغة بالمفهوم الذي أصَّلناه في فقرة سابقة هي لغة الإنسان، لا يشاركه فيها كائنٌ آخر، وكذا شأن الهُويَّة، فما يجمع بين فصيل من الحيوانات أو سِرْب من الطيور أو نحو ذلك، ليس بالتأكيد هُويَّة.
وإنَّما كانتا (اللُّغة والهُويَّة) خاصيتَين إنسانيتَين؛ لأنَّ الإنسان وحدَه هو الذي يملك الوعي، والشُّعور بالذات، وبالآخر، وهذا ما يجعلنا نقول إنَّ كلاًّ منهما مرتبط بالعقل، وهذه دائرةٌ جديدة مرتبطة أشدَّ الارتباط بسابقتها، هما إذًا خاصيتان عاقلتان.
وهما أيضًا أوَّليتان، بمعنى أنَّهما قديمتان وُجدتَا مع وجود الإنسان على هذه الأرض، إنَّ الله – سبحانه وتعالى - ميَّز آدم – عليه السلم – بـ "عِلْم الأسماء"[12]، وما الأسماء في حقيقتها إلاَّ نوع من اللُّغة التي تجعله قادرًا على التفكير فيما يحيط به، والتعامل معه، ثم إنَّ هذه العملية - عملية التعليم نفسِه لآدم - حدَّدت هُويته ومَيَّزته عن غيره من المخلوقات، فهو كائنٌ مختلف يعرف ما لا يعرفون، ولديه خصائص ليستْ فيهم.
وكلٌّ منهما كذلك كُلٌّ مركَّب، بلغة الفلسفة والمنطق؛ أعني: أنَّهما أشياءُ تندرج تحتها أجزاء، وهي أجزاء متداخلة لا يمكن فصلُ بعضها من بعض، اللُّغة تحتوي طرائقَ التفكير والتاريخ والمشاعر، وإرادة الناس وطُموحاتهم وشَكْل علاقاتهم، والهُويَّة أيضًا هي هذه العناصر في كُلِّيتها وتركُّبها.
وهُمَا - إضافةً إلى ذلك - تاريخيتان، بمعنى أنَّهما محتاجتان إلى التاريخ أو الزَّمن حتى تتشكَّلاَ وتتعمَّقَا، وتأخذَا الأبعاد اللازمة، ولا يَتنافى هذا مع ما قُلناه من أنَّهما أوَّليتان، فأوليتهما يُراد منها الإشارةُ إلى ملازمتهما للإنسان، وتاريخيتهما تُشير إلى ما تحتاجانِ إليه حتى تنضجَا.
ثم إنَّهما جمعِيَّتان، والمقصود من "الجمعيَّة" أنَّهما لا تعيشان داخلَ الفرد منعزلاً، إلاَّ في صورة ساذجة، لا تجعل منهما مستحقتَين لاسميهما.
اللُّغة والهُويَّة هما إذًا وجهان لشيء واحد، بعبارة أخرى: إنَّ الإنسان في جوهره ليس سوى لُغة وهُويَّة، اللُّغة فِكرُه ولسانه، وفي الوقت نفسه انتماؤه، وهذه الأشياء هي وجهه وحقيقته وهُويته، وشأن الجماعة، أو الأمَّة هو شأن الفرْد، لا فرق بينهما، وفي ذلك الإنسان ومقوماته يقول الشاعر القديم ذلك البيتَ الذي نعرفه جميعًا:
لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ[13]
وعلى الرغم من دوائر الالتقاء بين اللُّغة والهُويَّة فإن من المشروع أن نسأل: هل ثمةَ دوائرُ يفترقان فيها؟
والجواب: أنَّ ثمة مَن يضع حدودًا بينهما، أو لنقل: إنَّ بعضهم يرى الهُويَّة أكثرَ في غير اللُّغة[14].

(3)
"العربية" هوية
جميع ما قلناه آنفًا كان في الإطار المجرَّد لقضية اللُّغة والهُويَّة، وسننتقل إلى "العربية" بوصفها هويَّة، نحن إذًا في مواجهة قضيتنا نحن، قضية لُغتنا وهويتنا.
وإذا كانت "اللُّغة" مطلقة هي الهُويَّة كما سَلف، فإنَّ "العربية" تحديدًا هوية لأصحابها (العرب)، ولغيرهم (مَن يتعبَّدون بها مِن المسلمين) ذاتُ خصوصية، فهي أعلى مستوى من مجرَّد لغة وأكثر عمقًا، وأشدُّ التصاقًا بناطقيها وتمييزًا لهم، إنَّها هوية من طراز خاص، تمتلك الكثير من عناصر القوَّة التي تعطيها هذا كلَّه، وسوف نتوقَّف عند هذه العناصر:
القداسة:
"العربية" مقدَّسة في نظر أبنائها، وقداستها مستمدة من ارتباطها بكلام الله – تعالى - (القرآن الكريم) بحروفه وألفاظه، والقرآن الكريم هو حروفٌ وألفاظ قديمة لا أوَّل لها، كما يرى علماء المسلمين عامة، وأهل السنة منهم خاصة، إنَّه من صفات الله – تعالى – كما أنَّ الله - سبحانه - في القرآن نفسه ينصُّ في غير آية على عروبته، أو عربيِّته، في سياقات تتغيَّا مديح هذه اللُّغة بنعتها بالإبانة نعتًا مباشِرًا حينًا، أو غير مباشر حينًا آخَر.
ومعلومٌ أنَّ الصلاة - وهي الركن الثاني من أركان الإسلام - لا تصلُح بغير العربية، ممَّا يعني أنَّ المسلم (غير العربي) ملزمٌ بأن يتعبَّد بهذه اللُّغة؛ ولذا فهو مُضطر إلى تعلُّمها، وإدارة لسانه بها.

هذه القداسة تجعل منها جزءًا من الدِّين، والدِّين هو أهمُّ عوامل الهُويَّة وأقواها حضورًا عند الإنسان، أيًّا كان.
وعلى الرَّغم من أنَّنا نعرف أنَّ "اللُّغة" ظاهرة بشريَّة، وأنَّ نعتها بالقداسة قد يتسبب في إشكالية، أو يجلب لنا إشكالية؛ لكن قولنا بـ"قداسة" العربيَّة لا ينفي هذه البشريَّة، ولا يجعل منها نصًّا مقدَّسًا، إنَّ مفهوم القداسة الذي نُريده ليس أكثر من تعبير عن عظيم مكانة هذه اللُّغة لَدَى المسلمين، وهو ما يتجلَّى في تمسُّكهم وعظيم ارتباطهم بها، وليس هذا قولاً ننفرد به، فقد قال به أيضًا المستشرق المعروف لويس ماسينيون الذي كان يرى أنَّ العربية – ربَّما في سمة تنفرد بها أو تكاد – ليستْ لغة تواصلية فحسب؛ لكن لها وظيفة دِينيَّة، فهي تعبر عن أوامر الله، وهي وسيلة المسلم لمناجاة ربِّه، ومجدها – كما يرى ماسينيون – يقوم على هذه (القداسة) التي تربطها بالقرآن الكريم.
الحفظ:
والعربية أيضًا محفوظة، تعهَّد الله بأن تبقى ما بقيت الحياة؛ لأنَّها أيضًا لغة القرآن الكريم؛ {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] [15]؛ ولذلك فإنَّه لا يُخشى عليها من الزوال، ولا تَعصِف بها رِياحُ الزَّمن والبِلى، وهذا ما يُفسِّر لنا بقاءها واستمرارها حتى اليوم، دون أن تتحوَّل إلى لُغات كما حدث مع اللاتينيَّة مثلاً، فلا يزال العرب اليوم يقرؤون القرآن، وتلك اللُّغة التي دُونتْ بها الكتب قبلَ خمسة عشر قرنًا، ويَفهمون ما يقرؤون، ولا يمكن أن يُدخل على ذلك بأن ثمةَ ألفاظًا أو تراكيب لم تعد مفهومة للعامَّة، فتلك ألفاظٌ وتراكيب محدودة، تسكن حركتُها داخلَ جسد اللُّغة، تنزوي، تتخلَّف خطواتٍ عن الحياة على الألْسنة، لكن الجسد لم يتغيَّر، وجهُه وملامحه هي هي، إنَّ حفظ اللُّغة من حفظ القرآن، وحفظَ القرآن جزءٌ من عقيدة المسلم.
التاريخية:
إلى القداسة والحِفظ، وهي عواملُ دِينيَّة بحتة، ثمَّةَ عاملُ قوَّة آخر يتصل بتاريخية هذه اللُّغة، وأعني بهذه التاريخية: أنَّ التاريخ يعمل فيها عمله، فاللُّغة وعاء التاريخ، وكلَّما كان هذا الأخير ممتدًّا وخصبًا انعكس على اللُّغة قوَّةً وثراء، فالوِعاء لا بدَّ أن يُثري بما فيه، والتاريخ بمادته ومواقفه وحراك أصحابه ومشاعرهم، وذكرياتهم وانتصاراتهم، وإخفاقاتهم ودروسهم وعِبرهم - لا بدَّ أن يُغني هذه اللُّغة التي كانت تَرجمانَه المعبِّر، ولسانَه الناطق.
وتاريخ العربية يمتدُّ قرونًا طويلة، كانت هي خلاله لسانًا واحدًا ولا تزال، خلافًا لتواريخ كثيرة، وألْسنة عديدة، انقطعت أو بُترت، فما عاد لها صلةٌ بمراحلَ تاريخيَّة سابقة، ولا لُغات أمَّهات وُلدت من رَحِمها.
الجغرافية:
هذا عنصرٌ لا بدَّ أن نتوقَّف عنده؛ لأنَّ اتساع المكان - مكان اللُّغة - يعني اتساعَ حراكها، وزيادة ثرائها، والعربية امتدَّتْ على مساحات شاسعة من العالَم، بفضل الإسلام، وفي كلِّ مكان وصلت إليه كانت تتفاعل مع طبيعته، وسكَّانه، تأخذ منه ومنهم وتعطيهم، ولعلَّه لا توجد لغة من لُغات العالَم قد اتسعت اتساعَ العربية جغرافيًّا.
ويتميَّز هذا الاتساع بأنَّه لم يكن اتساعًا مفروضًا، أو يسيرًا، إنَّ اتساع حراك العربية كان طوعيًّا رَغِب فيه أصحاب الأرض وقَبِلوه، بل سَعَوْا إليه، ليس ذلك فحسبُ، بل كان اتساعًا مركبًا، فلم يكن مجرَّد حروف وتراكيب تَجري على الألْسنة؛ ولكنَّه كان ثقافة وحضارة، وفكرًا وانتماء، بالمعنى العميق للغة، يعمر العقولَ والقلوب ويسكنها؛ ولهذا فإنَّ زوال سلطة العربية سياسيًّا لم يكن ليزيلَ سلطة هذه اللُّغة من القلوب والألسنة.

الحضارية:
بعض اللُّغات تتمتَّع بعنصر ممَّا سبق، أو اثنين أو أكثر؛ لكنَّها لم تصنع حضارة، أو لم تسجِّل سبقًا في مرحلة تاريخيَّة، ونعني بالصناعة أو السَّبْق هنا ليس مجرَّد صناعة حضارة جزئية، أو تحقيق سبق في جانب ما؛ ولكن قيادة الحضارة واستلام رايتها، مثل هذا الإنجاز يكون سندًا كبيرًا لُغةً ورصيدًا يظلُّ محسوبًا لها.وهذا ما تَحقَّق للعربية، فقد كانت لُغةَ الفِكر والعلم والتقدُّم قرونًا عديدة.

الثراء:
هذا عنصرٌ لسنا بحاجة للوقوف عنده، فعلماء اللُّغات صنَّفوا العربية ضمنَ أسرة اللغات المتصرِّفة، وهي أرقى الأسر اللُّغوية، فهي تمتلك وسائلَ كثيرةً تزيد من قدرتها على تحقيق وظائفها في التعبير والتواصُل، ومن ذلك الاشتقاق بأنواعه والنحت، والإلْصاق والمجاز، كما أنَّها تملك - كما قال اللُّغويون العرب - نحوًا من (10) آلاف جذر لُغوي، إنَّه ثراء في المادة، وفي الآليات التي تغني هذه المادة، وتزيد من قُدرتها على تحمُّل المعاني المختلفة، والتعبير عنها.
وفي مقابل عناصر القوَّة هذه التي تحتويها العربية، ثمَّةَ عناصرُ ضعْف لا بدَّ من مواجهتها؛ ولكن قبلَ أن نتكلَّم في المواجهة يحسُن أن نعرف أو نعرِّف هذه العناصر، علمًا بأنَّها - خلافًا لسابقتها (عناصر القوة) - عناصرُ خارجيَّة لا علاقة لها مباشرة بالعربيَّة نفسها؛ بل هي مرتبطة بأصحابها من ناحية، والظروف الخارجيَّة من ناحية ثانية.
ولعلَّ محور عناصر الضَّعف هو الهزيمة، الهزيمة النفسيَّة، فإنَّ لغةً أصحابُها مهزومون حضاريًّا، لا يمكن أن تصمد في وجه أيِّ تحدٍّ، على أيِّ صعيد، يُنتظر فيه أن تفعل اللُّغة فِعلَها، أو تقوم بوظيفتها.
وعليه؛ فإنَّ أيَّة لغة - مهما كانت قويَّة - لا تستطيع أن تفعل شيئًا في عقول مهزومة، وألْسنة معوجَّة، وعليه أيضًا فإنَّ على أصحاب اللُّغة أن يبدؤوا هم بالنهوض من عثرتهم، والإيمان بقدراتهم، والثِّقة بأنفسهم، وأوَّل علامة من علامات النهوض الإيمان بلُغتهم، والثقة بأهليتها، والاعتزاز بها، والحِرص على إحيائها في مختلف المجالات.
وليس الأمر سهلاً، فالهزيمة التي نشعر بها لم تدخلْ إلينا من نافذة مقولة ابن خلدون: "المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب، في شعاره وزِيِّه ونحلته، وسائر أحواله وعوائده"[16] فحسبُ، على أهميَّة هذه المقولة وصِدقها في الواقع، ثمَّة وسطٌ تنمو فيه هذه الهزيمة وتكبر، ويمكن أن نَصِف هذا الوسط، أو نحدِّد ملامحه في ملمحَين هامَّين:
غياب وعي "الأنا":
وممَّا يُؤسَف له أنَّه غياب مركَّب على أكثر من صعيد، وفي أكثر من اِّتجاه، أمَّا الأصعدة فتبدأ من العامَّة، وتنتهي بالنخب والمثقفين ممَّن يوجِّهون الرأي العام، ويؤثِّرون فيه، والسياسيِّين وأصحاب القرار في مواقعهم المختلفة، كلُّ هؤلاء غائبون أو مغيَّبون عن قضية العربية، وهذه الأصعدة جميعًا تجعل من مسألة الغِياب هذه سرطانًا يَستشري في جسد المؤسَّسات العلميَّة والتعليميَّة والإعلاميَّة، وبذلك تكتمل منظومة الغياب، التي تُعد أكبرَ تحدٍّ يواجه العربية اليوم، والتجليات واضحة: انزواء العربية في عقول النخب، بوصفها قضيةً حضاريَّة لها دورٌ هام في أيِّ مشروع للنهضة، وعدم حضورها على ألْسنتهم في إشارة واضحة إلى الإهمال، ثم النظرة الدونية للغة، سواء في مؤسَّسات البحث أو التعليم بمختلف مراحله، أو الإعلام بمختلف أشكاله.
إنَّ مؤسَّسات البحث لا تحفل اليوم بغير توصيل المعنى، ولا ترى في الخطأ والرَّكاكة والعُجمة ما يَشين، ومؤسَّسات التعليم تحاصر العربية في مادة من موادَّ عديدة، ومع كلِّ عام دراسي جديد يُختصر منها أو يُحذف، ومؤسَّسات الإعلام لا ترى في العربية إلاَّ تقعرًا لا داعي له، وهنا أيضًا تُحاصر اللُّغة لتصبحَ مجرَّد ألفاظ تُردَّد في سياق عمل فني للإضحاك والتهريج
والحقُّ أنَّ ذلك كلَّه ليس سوى تعبير بأشكال مختلفة عن فقدان الهدف، وضياعه، وارتباك العقل واضطرابه، واهتزاز الثِّقة بالنفس، بل احتقارها، لقد قلنا آنفًا: إنَّ اللُّغة عقل الإنسان ولسانه، وهُويَّة الجماعة ووجهها، ولنا أن نتصوَّر إنسانًا يهزأ بنفسه وينتقص من عقله، وجماعة تجعل من هويتها مادة للضَّحِك والسُّخرية.
وإذا كان هذا غيابًا للوعي اللغوي، فإنَّه جزء من حالة الغياب الشاملة، الغياب الحضاريِّ والعلمي، والسياسي والثقافي، والاقتصادي.

يقظة الآخر وتنبهه:
في مقابل غياب وعي "الأنا" بخطر اللُّغة وأهميتها نجد أنَّ "الآخر" بعولمته التي يريد أن يفرضها، ومصالحه التي يسعى لتحقيقها - متيقظٌ تمامًا؛ ولذلك فإنَّه لا يألو جهدًا في محاربة العربية، هذه الهُويَّة التي تربط بين نحو ثلاثمائة مليون إنسان، والإسلام هذا الدِّين الذي يجمع ما يَزيد على مليار وثلاثمائة مليون إنسان، وليس الأمر (وعيه بخطر اللُّغة والدين) مستورًا، يُستنبط أو يُستشف من كلامه أو أفعاله؛ لكنَّه صريح مباشر لا غموض فيه ولا لَبْس، كما أنَّه ليس وعيًا يظهر على ألْسنة المغمورين وأنصاف المثقَّفين والساسة، وفي أفعالهم ممَّن قد يجهلون دلالاتِ الألفاظ، إنَّه عند أولئك المنظرين الإستراتيجيين الذين ينتمون إلى مؤسَّسات بحثيَّة رفيعة المستوى تُعدُّ مراكز للدِّراسات المستقبليَّة، وتحظى بدعم أصحاب القرار السياسي في أعلى مستوياته، وتُعتمد في اتخاذ القرارات وبناء السياسات، ونكتفي بواحد فقط من هؤلاء: صمويل هنتنجتون صاحب الكتاب الذائع "صراع الحضارات"، الذي يؤكِّد أنَّ اللُّغة والدين هما العنصران المركزيان لأيِّ ثقافة أو حضارة[17]، في إشارة واضحة إلى أنَّ الساحة الأخطر للصدام هي ساحة اللُّغة والدِّين، فإذا ما تحقَّق الانتصار فيهما أصبح من السَّهل الهيمنة على الحضارة المعادية واستتباعها.
وبين غياب وعي الأنا ويقظة الآخر، تبدو الهُويَّة العربية الإسلامية، وفي القلْب منها "اللُّغة" مكشوفة، غير قادرة على المواجهة، ويصبح خطرُ الزوال أو الانحسار أو التشويه واردًا، فعن طريق هذه الهُويَّة، وهذه اللُّغة، سيحدُث الاختراق - اختراقُ العقل العربي الإسلامي - والعبث في خلاياه بما تَعنيه هذه الخلايا من خصوصية وقِيَم، وتاريخ وحضارة، فهل ننتظر حتى يحدُثَ ذلك؟ أم أنَّنا سنقف بالمرصاد، وخاصَّة أنَّ العابثين يلحُّون في طَرْق الأبواب، ويسلكون مختلف الطُّرق منذ أكثر من قرن؟!
ــــــــــــــــــــ
المراجع :
[1] السرقسطي: "كتاب الأفعال"، إعداد حسين محمد شرف، مراجعة محمد مهدي علام، ط3، القاهرة، مجمع اللغة العربية، 2002، (جـ2/ 416 - 423).
[2] ابن سيده: "المحكم والمحيط الأعظم في اللغة"، تحقيق مجموعة من المحققين، القاهرة، معهد المخطوطات العربية، 2004 (ط. جديدة ومنقحة)، وانظر أيضًا: الزمخشري، "أساس البلاغة"، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2003 (لغو).
[3] مجمع اللغة العربية (مصر): معجم ألفاظ القرآن الكريم، القاهرة، المجمع، 1990،
(جـ2/1008).
[4] السابق (2/1013)، وانظر أيضًا: الفيروز آبادي: "بصائر ذوي التمييز"، تحقيق عبدالعليم الطحاوي، القاهرة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1412هـ - 1982م، (جـ4/ 434).
[5] محمد عبدالرؤوف المناوي: "التوقيف على مهمات التعاريف"، تحقيق محمد رضوان الداية، دمشق، دار الفكر، 1990، (ص: 622).
[6] ابن جني: "الخصائص"، تحقيق محمد علي النجار، ط3، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986، (جـ1/33).
[7] فيصل الحفيان: "اللغة والهوية إشكاليات المفاهيم وجدل العلاقات"، (بحث في مجلة التسامح – العدد الخامس)، مسقط، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية.
[8] مالك بن نبي: "شروط النهضة"، ترجمة عبدالصبور شاهين، وعمر كامل مسقاوي، دمشق، دار الفكر، 1406 هـ - 1986م، (ص: 82).
[9] محمد عابد الجابري: "الموسوعة الفلسفية العربية"، بيروت، معهد الإنماء العربي، 1986، (مج2/821).
[10] فيصل الحفيان: "اللغة والهوية"، (سابق).
[11] فيصل الحفيان: "اللغة والهوية"، (سابق).
[12] إشارة إلى الآية الكريمة{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ} [البقرة: 31
[13] بيت للأعور الشني: (ت50هـ).
[14] فيصل الحفيان: "اللغة والهوية"، (سابق).
[15] أحمد شفيق الخطيب: "المواصفات المصطلحية وتطبيقاتها في اللغة العربية"، (بحث ضمن كتاب الموسم الثقافي الخامس عشر لمجتمع اللغة العربية الأردني – 1997)، عمان، المجمع، 1418هـ - 1997م، (ص: 193).
[16] ابن خلدون: "المقدمة"، "تاريخ العبر وديوان المبتدأ والخبر..."، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1391هـ - 1971م، (ص: 123).
[17] صمويل هنتنغتون: "صدام الحضارات"، (بالإنجليزية)، نيويورك 1997، (ص: 59).


المصدر : موقع الالوكة الادبية واللغوية
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد


جميع حقوق النشر محفوظة 2003-2017 لـ(حضرموت نيوز)